القرآن وما يتضمنه

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . اللهم لا علمَ لنا إلا ما علَّمتَنا، إنك أنت العليم الحكيم .اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتَنا، وزدنا علماً .اللهم لا سهل إلا ما جعلتَه سهلاً، وأنت تجعلُ الحَزْنَ إذا شئتَ سهلاً، فيسِّر لنا أمورَنا، واختم لنا بالسعادة، إنك على كل شيء قدير.

أما بعد:

فقد جعل الله تعالى معجزةَ النبي المصطفى الكريم – صلى الله عليه وسلم – الوحيَ، ذلك أن الله تعالى أعطى كلَّ نبيٍّ من أنبيائه عليهم السلام آيةً يُعرف بها، وتدل على نبوته، وصدقه، ولكن كل تلك الآيات أو المعجزات كانت وقتيَّةً، زال أثرها بزوال وقتها، وبموت من حضرها، وقد أَعطى الله تعالى نبيَّه المصطفى الكريم – صلى الله عليه وسلم – من تلكم المعجزات والخوارق… الشيءَ الكثير، فهو أكثر واحد فيهم أُعطي، ولكن معجزتَه – صلى الله عليه وسلم – التي بقيت بعده، واستمر عطاؤها إلى زماننا، وستبقى إلى قيام الساعة: هي الوحي .ولهذا طلب الله تعالى منه – صلى الله عليه وسلم – أن ينذر به.

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : «ما مِن الأنبياء نبي إلا أُعطي مِن الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أُتيتُه وحياً أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكونَ أكثرَهم تابعاً يوم القيامة» متفق عليه([1])

وهذا التكريم من الله _جلّ وعلا_، إذا وجدت هذه الخيرية فخير هذه الأمّة التي هي خيار النّاس، أو خير النّاس من تعلم القرآن وعَلَمَه، بالنص الصحيح الصريح، حيث يقول الرسول _عليه الصلاة والسلام_ :”خيركم من تعلم القرآن وعلمه”

والقرآن -الذي هو موضوع البحث، والدرس في هذه الدورة-: كلام الله جلّ وعلا المُنزل على نبيه _عليه الصلاة والسلام_، الذي هو شَرف هذه الأمّة وذكرها: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ }( سورة الزخرف : 44 (

يعني: شرف لكَ ولقومك، والنبي _عليه الصلاة والسلام_ ترك فينا هذا الكتاب مع سنّة نبيه _عليه الصلاة والسلام_ فإذا تمسكنا بهما هُدينا وأَمِنَّا من الضلال، وإذا فرّطنا فيهما ضللنا.

فهذه بحوث في القرآن وما يتضمنه , حاولت فيها دراسة معنى القرآن الكريم لغةً  واصطلاحا , و التعريف بالوحي وكذلك بالفرق بين القرآن والحديث القدسي, و بأهم اسماء واوصاف القران الكريم , مع التعريف بنزول القرآن الكريم من إعطاء فكرة واضحة عن أبرز معالم هذه الموضوعات المهمة .

وقد سميت هذا البحث ” القرآن وما يتضمنه “

وقسمته ثلاثة اقسام  :

القسم الأول : في القرآن و يتألف من ثلاثة أبواب وهي :

الباب الأول : في معنى القرآن لغةً  واصطلاحا

الباب الثاني : في اسماء واوصاف القران الكريم

الباب الثالث : في الفرق بين القرآن والحديث القدسي

القسم الثاني : في الوحي

القسم الثالث : في نزول القران و يتألف من بابين وهما :

الباب الأول : كيف نزول القران

الباب الثاني : في اول واخرما نزل من القران الكريم

وأسأل الله أن يسدد خطانا على طريق الحق و أن يجعلنا ممن يعيش وفق أحكام القرآن الكريم , و ممن يجاهد بالغالي و الرخيص ليحكم القرآن و يسود حياتنا في جوانبها جميعا .

القسم الأول : في القرآن

الباب الأول : في معنى القرآن لغةً  واصطلاحا

تعريف القرآن: لغةً

“قرأ”: تأتي بمعنى الجمع والضم، والقراءة: ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل، والقرآن في الأصل كالقراءة: مصدر قرأ قراءة وقرآنا. قال تعالى: {إن علينا جمعه وقرآنه, فإذا قرأناه فاتبع قرآنه}([2]). أي قراءته، فهو مصدر على وزن “فعلان” بالضم: كالغفران والشكران، تقول: قرأته قرءا وقراءة وقرآنا، بمعنى واحد. سمي به المقروء تسمية للمفعول بالمصدر.([3])

القرآن في الاصطلاح

معلوم أن القرآن كلام الله وأن كلام الله غير كلام البشر ما في ذلك ريب ومعلوم أيضا أن الإنسان له كلام قد يراد به المعنى المصدري أي التكلم وقد يراد به المعنى الحاصل بالمصدر أي المتكلم به. وكل من هذين المعنيين لفظي ونفسي. فالكلام البشري اللفظي بالمعنى المصدري: هو تحريك الإنسان للسانه وما يساعده في إخراج الحروف من المخارج. والكلام اللفظي بالمعنى الحاصل بالمصدر: هو تلك الكلمات([4])

القرآن عند المتكلمين

ثم إن المتكلمين حين يطلقونه على الكلام النفسي يلاحظون أمرين:

أحدهما : أن القرآن علم أي كلام ممتاز عن كل ما عداه من الكلام الإلهي.

ثانيهما : أنه كلام الله وكلام الله قديم غير مخلوق فيجب تنزهه عن الحوادث وأعراض الحوادث.

وقد علمت أن الكلام النفسي البشري يطلق بإطلاقين أحدهما: على المعنى المصدري وثانيهما على المعنى الحاصل بالمصدر. فكذلك كلام الله النفسي. يطلق بإطلاقين أحدهما على نظير المعنى المصدري للبشر

وثانيهما على نظير المعنى الحاصل بالمصدر للبشر.وإنما قلنا على نظير لما هو مقرر من وجوب تنزه الكلام الإلهي النفسي عن الخلق وأشباه الخلق. فعرفوه بالمعنى الأول الشبيه بالمعنى المصدري البشري. وقالوا: إنه الصفة القديمة المتعلقة بالكلمات الحكمية. من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس.

ويذكر العلماء تعريفا له يقرب معناه ويميزه عن غيره، فيعرفونه بأنه: “كلام الله، المنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- المتعبد بتلاوته”. فـ “الكلام” جنس في التعريف، يشمل كل كلام، وإضافته إلى “الله” يخرج كلام غيره من الإنس والجن والملائكة.

و”المنزل” يخرج كلام الله الذي استأثر به سبحانه: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا}( الكهف: 109)، {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله} (لقمان: 27).

وتقييد المنزل بكونه “على محمد, صلى الله عليه وسلم” يخرج ما أنزل على الأنبياء قبله كالتوراة والإنجيل وغيرهما.

و”المتعبد بتلاوته” يخرج قراءات الآحاد، والأحاديث القدسية -إن قلنا إنها منزلة من عند الله بألفاظها- لأن التعبد بتلاوته معناه الأمر بقراءته في الصلاة وغيرها على وجه العبادة، وليست قراءة الآحاد والأحاديث القدسية كذلك.([5])

وخلاصة القول ان القران هو كلام الله المعجز, المنزل على خاتم الانبياء والمرسلين, بواسطة الامين جبريل عليه السلام, المكتوب في المصاحف, المنقول الينا بالتواتر, المتعبد بتلاوته, المبدوء بسورة الفاتحة والمختم بسورة الناس. وكان هذا التعريف متفق عليه بين العلماء والاصوليين.

الباب الثاني : في اسماء واوصاف القران الكريم

وقد سماه الله بأسماء كثيرة:

الإسم الأول : القرآن .. !!

يقول تعالى🙂 شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدىً للناسِ وبيناتٍ من الهدى والفرقان ). (البقرة / 185)

ولفظ القرآن أشهر من أن يشار لمواضع وروده في آياته وسوره . ولم يسمَ به كتابٌ آخر ، كلفظ الجلالة – الله – لم يسمَّ به أحد من البشر .

وقال الإمام الشافعي – رضي الله عنه – عن هذه اللفظة : إنَّها اسم غير مشتق ، وتقرأ بالتسهيل .. [ القُرَآن ] – هكذا قال في الرسالة – رضي الله عنه – .

وقال آخرون : هو مشتق ، فالقرآن … مصدر من الفعل الماضي [ قرأ ] .. وهذا المصدر أصبح اسماً علماً على : كلام الله المنزل على نبيه محمد – صلى الله عليه وسلم – بلفظه ومعناه ، المتلو ، والمتعبد بتلاوته ، والمحفوظ في المصاحف والصدور ، والمنقول إلينا نقلاً متواتراً بلا شبهه .

الإسم الثاني : الفرقان .. !!

الفرقان .. مصدر من : فَرَق ، وفَرَّق . والفعلان ..فَرَق .. وفَرَّق ومشتقاتها ، لا يدلان إلاَّ على الفصل بين أمرين ، أو شيئين فيقال : فَرَق بين شيئين … أي فصل بينهما .

والفرقان : كلّ ما فُرق به بين الحق والباطل ، ولهذا جعل الله يوم بدر يوم الفرقان : { .. وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان .. .. } ( الأنفال / 41). والفرقان : الحجة والبرهان .. وهما يفرقان بين الحق والباطل .

وقد سمي القرآن فرقاناً : لأنه فرق بين الحق والباطل ، يقول تعالى : { تبارك الذي نزَّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ا }( الفرقان / 1 ).

الإسم الثالث : البرهان .. !!

البرهان : مصدر من الفعل الماضي .. بَرهَنَ ، ومضارعه .. يبرهن والبرهان : في اللغة الحجة .. والدلالة .. والبيان ،

وهو عند علماء أصول الفقه : ما فصل بين الحق والباطل ، وميَّز الصحيح من الفاسد ، بالبيان الذي فيه .

وعند علماء المنطق : قياس مؤلف من مقدمات قطعية لنتيجة قطعية .

لقد ورد ذكر – البرهان – على أنه – القرآن – .. في قوله تعالى : { يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبينا } النساء / 174 .

واتفقت كلمة المفسرين على أن – النور المبين في الآية .. هو: القرآن ، إلا أنهم اختلفوا في إرادته بكلمة : البرهان .. في الآية .

فذهب ابن عباس وآخرون – كما أخرج ابن عساكر عن سفيان الثوري عن أبيه عن رجل لا يحفظ اسمه – : إن المراد بالبرهان في الآية هو الرسول – صلى الله عليه وسلم – .

وقالوا : عبَّر القرآن عن الرسول – صلى الله عليه وسلم – بالبرهان ، لأنه بسبب ما جاء معه من المعجزات التي تشهد بصدقه . وما وهب من براهين .

ولهذا ذهب قوم إلى أن – البرهان – هو : المعجزات .

الإسم الرابع : المجيد .. !!

وقال الراغب الأصبهاني : المجد .. السعة في الكرم ، وأصله مَجَدتِ الإبل ، إذا وقعت في مرعى كثير واسع . ووصف القرآن به ، لأنه :

أولاً – لكثرة ما يتضمنه من المكارم الدنيوية والأخروية .

وثانياً – لأنه كلام الله المجيد ، فهو وصف بصفة قائلة .

وثالثاً – ولا بد من علم معانيه ، وعمل بما فيه مجد عنه الله تعالى وعند الناس ، فالكلام بتقدير مضاف حذف فارتفع الضمير المضاف إليه

ورابعاً – ووزن [ فعيل ] يأتي بمعنى [ مَفعَل ] ، كبديع بمعنى مُبدَعَ . فهو المجيد بمعنى الممَجَّد

فتعالى الله بذاته ، وشرفت به كلماته ، ومَجُدت به آياته ، وهو القويّ العزيز ، المجيد .. ذو القول المجيد.([6])

الإسم الخامس : الكتاب ..!!

لقد ورد اسم – الكتاب – في القرآن الكريم مائتان وثلاثون مرَّة ، فأطلق فيه على : كتاب الله المنزَّل على محمد عليه السلام ، والمنزَّل على الأنبياء الآخرين ، وأطلق على معانٍ أخرى غير ما تقدم .. ! .

ويقول تعالى : { آلم ( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين }([7])

ويقول تعالى : { هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم الكتاب والحكمة }([8])

وقد سمّى الله – عز وجل – قرآنه الكريم بالكتاب ، وذلك لاعتبارات .. فإمَّا :

1. لأنه : المضموم بعضه إلى بعض باللفظ . وهذا يطلق عليه الكتاب فضلاً عن ضم الحروف بالخط .. فهو المضموم غير المتفرق ، وهذا من قبل إنزاله .. وبعده ذلك أيضاً إلى يوم الدين .

2. أو : لأنه كالكتيبة على عساكر شبهات الكفار والزنادقة .

3. أو : لاجتماع كل العلوم فيه ! .

4. أو : لأن الله تعالى ألزم فيه التكاليف على الخلق .

5. أو : لأنه مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ .

فالكتاب هو : كلام الله المجموع .. المنزّل على النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – .. المضموم بعضه إلى بعض .. الذي لم يذهب منه شئ .. ولن يذهب بإذن الله .. وهو الداحض للشبه .. والمكتوب عند الله .([9])

الإسم السادس  : الذِكر .. !!.

والذِكر .. اسم مصدر من : ذَكَرَ .. يَذكُرُ .

والذِكر .. على الحصول بالمصدر .. جمعها [ أذكار ] .

ويقول – عز وجل – : { .. قد أنزل الله إليكم ذكرا }([10]). وقد صدق ربنا – عز وجل – إذ يقول :

{ إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لَحافظون }([11]). 

ووصف الله القرآن بأوصاف كثيرة منها:

  1. “نور” {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا}([12])
  2. و”هدى” و”شفاء” و”رحمة” و”موعظة” {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين}([13])
  3. و”مبارك”.. {وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه} ([14])
  4. و”مبين”.. {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين}([15])
  5. و”بشرى”.. {مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين}([16])
  6. و”عزيز”.. {إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز}([17])
  7. و”مجيد”.. {بل هو قرآن مجيد}([18])
  8. و”بشير” و”نذير”.. {كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون, بشيرا ونذيرا}([19])

وكل تسمية أو وصف فهو باعتبار معنى من معاني القرآن.

الباب الثالث : في الفرق بين القرآن والحديث القدسي

هناك عدة فروق بين القرآن الكريم والحديث القدسي أهمها:

1-  أن القرآن الكريم كلام الله أوحى به إلى رسول الله بلفظه، وتحدى به العرب، فعجزوا عن أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور مثله، أو بسورة من مثله، ولا يزال التحدي به قائما، فهو معجزة خالدة إلى يوم الدين.

والحديث القدسي لم يقع به التحدي والإعجاز.

2-  والقرآن الكريم لا ينسب إلا إلى الله تعالى، فيقال: قال الله تعالى.

والحديث القدسي -كما سبق- قد يروى مضافا إلى الله وتكون النسبة إليه حينئذ نسبة إنشاء فيقال: قال الله تعالى، أو: يقول الله تعالى، وقد يروى مضافا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتكون النسبة حينئذ نسبة إخبار لأنه عليه الصلاة والسلام هو المخبر به عن الله، فيقال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه عز وجل.

3- القرآن الكريم جميعه منقول بالتواتر، فهو قطعي الثبوت، والأحاديث القدسية أكثرها أخبار آحاد، فهي ظنية الثبوت. وقد يكون الحديث القدسي صحيحا، وقد يكون حسنا، وقد يكون ضعيفا.

4-  والقرآن الكريم من عند الله لفظا ومعنى، فهو وحي باللفظ والمعنى.

والحديث القدسي معناه من عند الله، ولفظه من عند الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الصحيح فهو وحي بالمعنى دون اللفظ، ولذا تجوز روايته بالمعنى عند جمهور المحدثين.

5-  والقرآن الكريم متعبد بتلاوته، فهو الذي تتعين القراءة به في الصلاة: {فاقرأوا ما تيسر من القرآن}([20]), وقراءته عبادة يثيب الله عليها بما جاء في الحديث: “من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها([21])

والحديث القدسي لا يجزئ في الصلاة، ويثيب الله على قراءته ثوابا عاما، فلا يصدق فيه الثواب الذي ورد ذكره في الحديث على قراءة القرآن، بكل حرف عشر حسنات.

القسم الثاني : في الوحي

حرص القرآن على تسمية ما نزل على قلب محمد وحيا، ليشابه مدلول الوحي بين جميع النبيين تشابه اللفظ الدال عليه، فقال:  {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}([22]) وقال: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ}([23])، وقال: {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي}([24])

معنى الوحي:

يقال: والوحي: الإشارة السريعة، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد، وبإشارة ببعض الجوارح.

والوحي مصدر، ومادة الكلمة تدل على معنيين أصليين، هما: الخفاء والسرعة، ولذا قيل في معناه: الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجه إليه بحيث يخفى على غيره، وهذا معنى المصدر، ويطلق ويراد به الوحي، أي بمعنى اسم المفعول. والوحي بمعناه اللغوي يتناول:

1- الإلهام الفطري للإنسان، كالوحي إلى أم موسى {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه}([25])

2- والإلهام الغريزي للحيوان، كالوحي إلى النحل {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون}([26])

3- والإشارة السريعة على سبيل الرمز والإيحاء كإيحاء زكريا فيما حكاه القرآن عنه: {فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا} ([27])

4- ووسوسة الشيطان وتزيينه الشر في نفس الإنسان: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم}([28]) {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا}([29])

5- وما يلقيه الله إلى ملائكته من أمر ليفعلوه: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا}([30])

ولغة القرآن الفاشية “أوحى” بالألف -ولم يستعمل مصدرها- وإنما جاء فيه مصدر الثلاثي: {إن هو إلا وحي يوحى}

ووحي الله إلى أنبيائه قد عرفوه شرعا بأنه: كلام الله تعالى المنزل على نبي من أنبيائه. وهو تعريف له بمعنى اسم المفعول أي الموحى.

والوحي بالمعنى المصدري اصطلاحا: هو إعلام الله تعالى من يصطفيه من عباده ما أراد من هداية بطريقة خفية سريعة.

وعرفه الأستاذ محمد عبده في رسالة التوحيد بأنه:

“عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة، والأول بصوت يتمثل لسمعه أو بغير صوت. ويفرق بينه وبين الإلهام

بأن الإلهام: وجدان تستيقنه النفس فتنساق إلى ما يطلب على غير شعور منها من أين أتى؟ وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش والحزن والسرور”([31]).

وهو تعريف للوحي بالمعنى المصدري، وبدايته وإن كانت توهم شبهه بحديث النفس أو الكشف، إلا أن الفرق بينه وبين الإلهام الذي جاء في عجز التعريف ينفي هذا.

كيفية وحي الملك إلى الرسول:

وحي الله إلى أنبيائه إما أن يكون بواسطة وبغير واسطة.،. وكان منه الرؤيا الصالحة في المنام، والكلام الإلهي من وراء حجاب يقظة، وإما أن يكون بواسطة ملك الوحي وهو الذي يعنينا في هذا الموضوع لأن القرآن الكريم نزل به.

ولا تخلو كيفية وحي الملك إلى الرسول من إحدى حالتين:

الحالة الأولى: وهي أشد على الرسول، أن يأتيه مثل صلصلة الجرس، والصوت القوي يثير عوامل الانتباه فتهيأ النفس بكل قواها لقبول أثره، فإذا نزل الوحي بهذه الصورة على الرسول -صلى الله عليه وسلم- نزل عليه وهو مستجمع القوى الإدراكية لتلقيه وحفظه وفهمه، وقد يكون هذا الصوت حفيف أجنحة الملائكة المشار إليه في الحديث: “إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كالسلسلة على صفوان” ([32]) وقد يكون صوت الملك نفسه في أول سماع الرسول له.

والحالة الثانية: أن يتمثل له الملك رجلا ويأتيه في صورة بشر، وهذه الحالة أخف من سابقتها، حيث يكون التناسب بين المتكلم والسامع، ويأنس رسول النبوة عند سماعه من رسول الوحي، ويطمئن إليه اطمئنان الإنسان لأخيه الإنسان.

والهيئة التي يظهر فيها جبريل بصورة رجل لا يتحتم فيها أن يتجرد من روحانيته، ولا يعني أن ذاته انقلبت رجلا، بل المراد أنه يظهر بتلك الصورة البشرية أنسا للرسول البشري، ولا شك أن الحالة الأولى -حالة الصلصلة- لا يوجد فيها هذا الإيناس، وهي تحتاج إلى سمو روحي من رسول الله يتناسب مع روحانية الملك فكانت أشد الحالتين عليه، لأنها كما قال ابن خلدون: “انسلاخ من البشرية الجسمانية واتصال بالملكية الروحانية، والحالة الأخرى عكسها لأنها انتقال الملك من الروحانية المحضة إلى البشرية الجسمانية”.

وكلتا الحالتين مذكور فيما روي عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال : “يا رسول الله.. كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: “أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشد علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول” .

والحالتان هما القسم الثالث من أقسام التكليم الإلهي المشار إليه في الآية: {وما كان لبشر أن يكلمه الله

1- إلا وحيا

2- أو من وراء حجاب

3- أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم} ([33])

أما النفث في الروع -أي القلب- فقد ذكر في قول الرسول, صلى الله عليه وسلم: “إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب” ([34]) والحديث لا يدل على أنه حالة مستقلة,

فيحتمل أن يرجع إلى إحدى الحالتين المذكورتين في حديث عائشة، فيأتيه الملك في مثل الصلصلة وينفث في روعه، أو يتمثل له رجلا وينفث في روعه، وربما كانت حالة النفث فيما سوى القرآن الكريم.

القسم الثالث : في نزول القران و يتألف من نوعين وهما :

الباب الأول : كيف نزول القران

أنزل الله القرآن على رسولنا محمد -صلى الله عليه وسلم- لهداية البشرية، فكان نزوله حدثا جللا يؤذن بمكانته لدى أهل السماء وأهل الأرض، فإنزاله الأول في ليلة القدر أشعر العالم العلوي من ملائكة الله بشرف الأمة المحمدية التي أكرمها الله بهذه الرسالة الجديدة لتكون خير أمة أخرجت للناس، وتنزيله الثاني مفرقا على خلاف المعهود في إنزال الكتب السماوية قبله آثار الدهشة التي حملت القوم على المماراة فيه، حتى أسفر لهم صبح الحقيقة فيما وراء ذلك من أسرار الحكمة الإلهية، فلم يكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليتلقى الرسالة العظمى جملة واحدة ويقنع بها القوم مع ما هم عليه من صلف وعناد، فكان الوحي يتنزل عليه تباعا تثبيتا لقلبه، وتسلية له، وتدرجا مع الأحداث والوقائع حتى أكمل الله الدين، وأتم النعمة.

نزول القرآن :

يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} ([35])

ويقول: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} ([36])

ويقول: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} ([37])

ولا تعارض بين هذه الآيات الثلاث، فالليلة المباركة هي ليلة القدر من شهر رمضان، إنما يتعارض ظاهرها مع الواقع العملي في حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث نزل القرآن عليه في ثلاث وعشرين سنة.. وللعلماء في هذا مذهبان أساسيان:

1- المذهب الأول: وهو الذي قال به ابن عباس وجماعة وعليه جمهور العلماء: أن المراد بنزول القرآن في تلك الآيات الثلاث نزوله جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا تعظيما لشأنه عند ملائكته، ثم نزل بعد ذلك منجما على رسولنا محمد -صلى الله عليه وسلم- في ثلاث وعشرين سنة([38])  حسب الوقائع والأحداث منذ بعثته إلى أن توفي صلوات الله وسلامه عليه، حيث أقام في مكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة بعد الهجرة عشر سنوات: فعن ابن عباس قال: “بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين”([39]).

وهذا المذهب هو الذي جاءت به الأخبار الصحيحة عن ابن عباس في عدة روايات:

أ- عن ابن عباس قال: “أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا ليلة القدر. ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة, ثم قرأ: {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} ([40]) {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا}([41]).

ب- وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: “فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا، فجعل جبريل ينزل به على النبي, صلى الله عليه وسلم”([42]).

جـ- وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: “أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا، وكان بمواقع النجوم، وكان الله ينزله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- بعضه في إثر بعض”([43])

د- وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: “أنزل القرآن في ليلة القدر في شهر رمضان إلى سماء الدنيا جملة واحدة، ثم أنزل نجوما”([44]).

2المذهب الثاني: وهو الذي روي عن الشعبي([45]): أن المراد بنزول القرآن في الآيات الثلاث ابتداء نزوله على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد ابتدأ نزوله في ليلة القدر في شهر رمضان، وهي الليلة المباركة، ثم تتابع نزوله بعد ذلك متدرجا مع الوقائع والأحداث في قرابة ثلاث وعشرين سنة، فليس للقرآن سوى نزول واحد هو نزوله منجما على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأن هذا هو الذي جاء به القرآن: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا}([46]), وجادل فيه المشركون الذين نقل إليهم نزول الكتب السماوية السابقة جملة واحدة: {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا, ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا}([47]) ولا يظهر للبشر مزية لشهر رمضان وليلة القدر التي هي الليلة المباركة إلا إذا كان المراد بالآيات الثلاث نزول القرآن على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهذا يوافق ما جاء في قوله تعالى بغزوة بدر: {وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير} ([48])

الباب الثاني : في اول واخرما نزل من القران الكريم

وللعلماء في أول ما نزل من القرآن على الإطلاق، وآخر ما نزل كذلك أقوال، نجملها ونرجح بينها فيما يأتي:

أول ما نزل:

1- أصح الأقوال أن أول ما نزل هو قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الأنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الأنسان ما لم يعلم} )العلق: 1-5.(, ويدل عليه ما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: “أول ما بدئ به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم, فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يأتي حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة رضي الله عنها فتزوده لمثلها حتى فاجأه الحق وهو في غار حراء،

فجاءه الملك فيه فقال: اقرأ، قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: فقلت: “ما أنا بقارئ” ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: “ما أنا بقارئ” ، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: “ما أنا بقارئ” ، فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} . حتى بلغ: {ما لم يعلم} ، فرجع بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ترجف بوادره”. الحديث([49])

2- وقيل إن أول ما نزل هو قوله تعالى: {يا أيها المدثر} .. لما رواه الشيخان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت جابر بن عبد الله: أي القرآن أنزل قبل؟ قال: {يا أيها المدثر} ، قلت: أو {اقرا باسم ربك} ؟ قال: أحدثكم ما حدثنا به رسول الله, صلى الله عليه وسلم: “إني جاورت بحراء فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وشمالي. ثم نظرت إلى السماء فإذا هو -يعني جبريل- فأخذتني رجفة. فأتيت خديجة فأمرتهم فدثروني”، فأنزل الله: {يا أيها المدثر قم فأنذر}.

وأجيب عن حديث جابر بأن السؤال كان عن نزول سورة كاملة، فبين جابر أن سورة المدثر نزلت بكمالها قبل نزول تمام سورة اقرأ، فإن أول ما نزل منها صدرها، ويؤيد هذا ما في الصحيحين أيضا عن أبي سلمة عن جابر قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه: “بينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرجعت، فقلت: زملوني، فدثروني” ، فأنزل الله: {يا أيها المدثر} . فهذا الحديث يدل على أن هذه القصة متأخرة عن قصة حراء -أو تكون “المدثر” أول سورة نزلت بعد فترة الوحي- وقد استخرج جابر ذلك باجتهاده فتقدم عليه رواية عائشة، ويكون أول ما نزل من القرآن على الإطلاق: {اقرأ} وأول سورة نزلت كاملة، أو أول ما نزل بعد فترة الوحي: {يا أيها المدثر} .. أو أول ما نزل للرسالة: {يا أيها المدثر} .. وللنبوة {اقرأ} .

3- وقيل إن أول ما نزل هو سورة “الفاتحة” ولعل المراد أول سورة كاملة.

4- وقيل: {بسم الله الرحمن الرحيم} والبسملة تنزل صدرا لكل سورة. ودليل هذين أحاديث مرسلة، والقول الأول المؤيد بحديث عائشة هو القوي الراجح المشهور.

آخر ما نزل:

1- قيل: آخر ما نزل آية الربا، لما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: “آخر آية نزلت آية الربا” والمراد بها قوله تعالى: {ياالذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا})البقرة: 278.(

2- وقيل: آخر ما نزل من القرآن قوله تعالى: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} …الآية )البقرة: 281.(, لما رواه النسائي وغيره عن ابن عباس وسعيد بن جبير: “آخر شيء نزل من القرآن: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} الآية.

3- وقيل: آخر ما نزل آية الدين، لما روي عن سعيد بن المسيب: “أنه بلغه أن أحدث القرآن عهدا بالعرش آية الدين” والمراد بها: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه}… الآية. )البقرة: 282(

ويجمع بين الروايات الثلاث بأن هذه الآيات نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف، آية الربا، فآية {واتقوا يوما} فآية الدين، لأنها في قصة واحدة. فأخبر كل راو عن بعض ما نزل بأنه آخر، وذلك صحيح، وبهذا لا يقع التنافر بينها.

4- وقيل: آخر ما نزل آية الكلالة. فقد روى الشيخان عن البراء بن عازب قال: آخر آية نزلت: {بستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة}… )الآية النساء: 176(، وحملت الآخرية هنا في قول البراء على أنها مقيدة بما يتعلق بالمواريث.

5- وقيل: آخر ما نزل قوله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم}… إلى آخر السورة. ففي المستدرك عن أبي بن كعب قال: آخر آية نزلت: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} … إلى آخر السورة) التوبة: 128(.، وحمل هذا على أنها آخر ما نزل من سورة “براءة”.

وهذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وكل قال بضرب من الاجتهاد وغلبة الظن، ويحتمل أن كلا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من الرسول، أو قال ذلك باعتبار آخر ما نزل في تشريع خاص، أو آخر سورة نزلت كاملة على النحو الذي خرجنا به كل قول منها.

أما قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} , فإنها نزلت بعرفة عام حجة الوداع، ويدل ظاهرها على إكمال الفرائض والأحكام، وقد سبقت الإشارة إلى ما روي في نزول آية الربا، وآية الدين، آية الكلالة، وغيرها بعد ذلك. لذا حمل كثير من العلماء إكمال الدين في هذه الآية على أن الله أتم عليهم نعمته بتمكينهم من البلد الحرام، وإجلاء المشركين عنه، وحجهم وحدهم دون أن يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين، وقد كان المشركون يحجون معهم من قبل وذلك من تمام النعمة: {وأتممت عليكم نعمتي} قال القاضي أبو بكر الباقلاني في “الانتصار” معلقا على اختلاف الروايات في آخر ما نزل: “هذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ويجوز أن يكون قاله قائله بضرب من الاجتهاد وغلبة الظن، ويحتمل أن كلا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من النبي -صلى الله عليه وسلم- في اليوم الذي مات فيه أو قبل مرضه بقليل، وغيره سمع منه بعد ذلك وإن لم يسمعه هو، ويحتمل أيضا أن تنزل هذه الآية التي هي آخر آية تلاها الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع آيات نزلت معها فيؤمر برسم ما نزل معها بعد رسم تلك، فيظن أنه آخر ما نزل في الترتيب”([50])

المراجع :

  1. مناهل العرفان في علوم القرآن, المؤلف : محمد عبد العظيم الزرقاني (المتوفى : 1367هـ,
  2. الإتقان في علوم القرآن ,المؤلف : عبد الرحمن بن الكمال جلال الدين السيوطي
  3. مباحث في علوم القرآن ,المؤلف : مناع القطان
  4. أسماء القرآن في القرآن ,تأليف : الدكتور محمد محروس المدرس الأعظمي


 – [1]  صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآن: باب كيف نزل الوحي، وفي غيرهما. وصحيح مسلم: كتاب

الإيمان: باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – إلى جميع الناس، رقم : 239

[2] القيامة: 17، 18

[3] مباحث في علوم القرآن – (1 / 15)

[4] مناهل العرفان في علوم القرآن – (1 / 15)

 

[5] مباحث في علوم القرآن – (1 / 17)

[6] . أسماء القرآن في القرآن – (1 / 13)

[7] البقرة / 1و 2

[8] الجمعة / 2 .

[9] أسماء القرآن في القرآن – (1 / 16)

[10] الطلاق / 10

[11] الحجر / 9

[12] النساء: 174

[13] يونس: 57.

[14] الأنعام: 92

[15] المائدة: 15

[16] البقرة: 97

[17] فصلت: 15

[18] البروج: 21

[19] فصلت: 3، 4.

[20]  المزمل: 20

[21] رواه الترمذي عن ابن مسعود

[22] 4,3,2,1النجم.

[23] يونس، الآية 10

[24] الأعراف 7.

[25] القصص: 7

[26] النحل: 68

[27] مريم: 11

[28] الأنعام: 121

[29] الأنعام: 112.

[30] الأنفال: 12.

[31]  انظر كتاب: الوحي المحمدي، للشيخ محمد رشيد رضا، ص44

[32] رواه البخاري.

[33] الشورى: 51

[34] رواه أبو نعيم في الحلية بسند صحيح.

[35] البقرة: 185.

[36] القدر: 1

[37] الدخان: 3.

[38] وقدر بعض العلماء مدة نزول القرآن بعشرين سنة، وبعضهم بخمس وعشرين سنة لاختلافهم في مدة إقامته, صلى الله عليه وسلم -بعد البعثة- بمكة، أكانت ثلاث عشرة سنة، أم عشر سنين، أم خمس عشرة سنة؟ مع اتفاقهم على أن إقامته بالمدينة بعد الهجرة عشر سنوات – والصواب الأول – انظر “الإتقان” جـ1 ص39.

[39] رواه البخاري

[40] الفرقان: 33

[41] الإسراء: 106

[42] رواه الحاكم

[43] رواه الحاكم والبيهقي

[44] رواه الطبراني

[45] الشعبي: هو عامر بن شراحبيل، من كبار التابعين -وأكبر شيوخ أبي حنيفة- كان إماما في الحديث والفقة، وتوفي سنة 109 هجرية.

[46] الإسراء: 106.

[47] الفرقان: 32، 33

[48] الأنفال: 41

[49] التحنث: التعبد، وأصله ترك الحنث، أي الذنب. وغطني: أي ضمني ضما شديدا حتى كان لي غطيط، وهو صوت من حبست أنفاسه بما يشبه الخنق، والجهد: بفتح الجيم، يطلق على المشقة وعلى الوسع والطاقة، وبضمها يطلق على الوسع والطاقة لا غيره

[50] انظر الإتقان جـ1 ص27

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s